النووي

42

المجموع

ودليلنا على أبي حنيفة قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) فكان عموم هذا الامر يوجب الوفاء بكل عقد ما لم يقم دليل بتخصيصه ، ولان كل عقد لزم العاقدين مع سلامة الأحوال لزمهما ما لم يحدث بالعوضين نقص كالبيع ، ولان كل عقد لزم العاقد عند ارتفاع العذر لم يحدث له خيار بحدوث عذر كالزوج ، ولان كل سبب لا يملك المؤجر الفسخ لم يملك المستأجر به الفسخ كالأجرة لا يكون حدوث الزيادة فيها موجبا لفسخ المؤجر كما لم يكن حدوث النقصان فيها موجبا لفسخ المستأجر ، لان نقصانها في حق المستأجر كزيادتها في حق المؤجر ولأنه عقد إجارة فلم يجز فسخه بعذر كالمؤجر ، ولأن العقود نوعان ، لازمة فلا يجوز فسخها بعذر كالبيع ، وغير لازمة فيجوز فسخها بغير عذر كالقراض . فلما لم يكن عقد الإجارة ملحقا بغير اللازم في جواز فسخه بغير عذر وجب أن يكون ملحقا باللازم في إبطال فسخه بعذر . فأما الجواب عن قياسه على الوكالة فهو أن الوكالة غير لازمة يجوز فسخها بعذر وغير عذر ، وليس كذلك الإجارة ، وأما استدلاله بأن للاعذار تأثيرا في عقود الإجارات كالضرس المستأجر على قلعه إذا برئ ، فالجواب عنه هو أن من ملك منفعة بعقد إجارة فقد استحقها ، وليس يجب عليه استيفاؤها ، ألا ترى أن من استأجر سكنى دار فله أن يسكنها ، ولا يجبر على سكناها ، فإن مكن من سكناها فلم يسكن فعليه الأجرة ، هذا أصل مقرر في الإجارة ، وإذا كان كذلك - فإن كان الضرس على حال مرضه وألمه - فقلعه مباح ، وللمستأجر أن يأخذ الأجير بقلعه إن شاء ، فإن أبى المستأجر أن يقلعه من ألمه لم يجبر عليه . وقيل له : قد بذل لك الأجير القلع وأنت ممتنع ، فإذا مضت مدة يمكن فيها قلعه فقد استحق أجرته كما لو مضت مدة السكنى ، وان برئ الضرس في الحال قبل إمكان القلع بطلت الإجارة ، لان قلعه قد حرم ، وعقد الإجارة إنما يتناول مباحا لا محظورا ، فصار محل العمل معدوما ، فلذلك بطلت الإجارة كما لو استأجر لخياطة ثوب فلف ، إذ لا فرق بين تعذر العمل بالتلف وبين تعذره بالحظر .